الشيخ الطبرسي
347
تفسير مجمع البيان
له . فقوله : لم يجيئوا بها على الأصل أراد أنه للدفعة من الفعل ، ولكن كسروه فجعلوه اسما لهذا المعنى ، كما قالوا غزاة لعمل وجه واحد ، ولم يجئ فيه الغزوة ، وكان القياس . اللغة : أول الشئ : ابتداؤه . ويجوز أن يكون المبتدأ له آخر ، ويجوز أن لا يكون آخر له ، لأن الواحد أول العدد ولا نهاية لآخره . ونعيم أهل الجنة ، له أول ، ولا نهاية له . وأصل بكة : البك وهو الزحم ، يقال بكه يبكه بكا : إذا رحمه . ويباك الناس : إذا ازدحموا . فبكة : مزدحم الناس للطواف ، وهو ما حول الكعبة من داخل المسجد الحرام . وقيل : سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم ، ولم يمهلوا . والبك : دق العنق . وأما مكة فيجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة ، وإبدال الميم من الباء ، كقوله : ضربة لازب ولازم . ويجوز أن يكون من قولهم : أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة : إذا مص مصا شديدا ، حتى لا يبقى منه شئ . ومك المشاش مكا : إذا تمشش بفيه ، فسميت مكة بذلك لقلة مائها . وأصل البركة : الثبوت من قولهم : برك وبروكا ، أو بركا : إذا ثبت على حاله . فالبركة : ثبوت الخير بنموه . ومنه البركة : شبه الحوض ، يمسك الماء لثبوته فيه . ومنه قول الناس : تبارك الله لثبوته ، لم يزل ، ولا يزال وحده . الاعراب : قوله تعالى ( مباركا ) نصب على الحال بالظرف من ( ببكة ) على معنى الذي استقر ( ببكة مباركا ) . ويجوز أن يكون من الضمير في ( وضع ) كأنه قيل : وضعا مباركا . وعلى هذا يجوز أن يكون قد وضع قبله بيت ، ولا يجوز في التقدير الأول . وأما رفع ( مقام إبراهيم ) : فلأنه خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره هي مقام إبراهيم ، عن الأخفش . وقيل : هو بدل من ( آيات ) ، عن أبي مسلم . و ( من استطاع إليه سبيلا ) : في موضع جر بدلا من ( الناس ) ، وهو بدل البعض من الكل . النزول : قال مجاهد : تفاخر المسلمون واليهود ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ، لأنه مهاجر الأنبياء ، والأرض المقدسة . وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى : ( إن أول بيت ) . المعنى : ( إن أول بيت وضع للناس ) أي : بني للناس ، ولم يكن قبله بيت مبني . وإنما دحيت الأرض من تحتها ، وهو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق